بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد ...
فحياكم الله أيها الأخوة الكرام و طبتم جميعا , و هنيا لكم شهر ما علم أحد فضله على وجه الأرض سواكم ..
ثم لما كان الفقه في الدين هو علامة الخير للمؤمن , " فمن يرد الله به خير يفقهه في الدين " .
و لا يتأتى ذلك إلا باتباع كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كان من الضروري علينا أن نتفقه في ديننا و أن نسأل الله أن يفقهنا في الدين , وهذه بعض المسائل الفقهية في شأن رمضان نتناولها بشيء من التصرف , عسى الله أن ينفع أخواننا بها ...
تفريق بين مقامين ..
بعض الأئمة و بعض المسلمين قد لا يفرق حين يعظ الناس لقيام رمضان بين مقامين .. الأول : هو مقام قيام الليل منفردا و الأخر هو مقام قيام الليل بالناس .
فيقول في وعظه " إنكم قد لا تتحملون طول القيام و تتذمرون , و لقد كان النبي يقوم الليل حتى تتفطر قدماه , و كان يقرأ في الركعة الواحدة بخمس أجزاء ... أفلا تصبرون على جزء ؟ أو يقل قليلا ؟؟"
و هذا الواعظ لم يفرق لنا هنا بين مقامين ,
الأول : القيام منفردا , وهو مقام يحتمل ما يقوله هذا الواعظ , فالمصلي منفردا يصلي كيف شاء ,كما جاءء فيحديث أبو هريرة عند الامام البخاري قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا صلى أحدكم للناس فليخفف , فإن منهم الضعيف و السقيم و الكبير , و إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" , وهذا صريح جدا في أن هناك فصل و تفرقة بين الصلاة بالناس و الصلاة منفردا .
أيضا سواء كان الامام في قيام أو أحد الصلوات الخمس .( أي أن يخفف في الصلاة )
كما جاء أكثر من خمسة أحاديث صريحة تبين أن على الامام أن يخفف القراءة على المأموم منها , ما سفناه حديث أبي هريرة ,
ومنها حديث جابر بن عبد الله الأنصاري , و فيه أن رجلين اشتكى الى النبي أن معاذ قرأ بهم في العشاء بالبقرة , فقال عليه الصلاة و السلام " يا معاذ أفاتن أنت , ثلاث مرار , فولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى , و الشمس و ضحاها , و الليل إذا يغشى , فإنه يصلي وراءك الكبير و الضعيف و ذو الحاجة "
ومنها حديث بن مسعود قال : قال رجل , يا رسول الله إني لأتأخر عن الفجر مما يطيل فلان فيها , فغضب رسول الله ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبا منه يومئذ صلى الله عليه وسلم , ثم قال " يا أيها الناس إن منكم منفرين , فمن أم فليتجوز , فإن ورائه الضعيف و الكبير و ذو الحاجة " ,
ومنها حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إني لأقوم إلى الصلاة أريد أن أطول فيها , فأسمع بكاء الصبي , فأتجوز في صلاتي , كراهية أن أشق على أمه " ,
ومنها قول أنس رضي الله عنه " ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة و لا أتم من النبي صلى الله عليه وسلم , و إن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه " .
أحاديث كثيرة يا أخوة في مقام التخفيف على الناس , وهذا غير من قام في الصلاة وحده كما أسلفنا فله أن يطول في ركوعها و سجودها كيف شاء , كما ثبت ذلك عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم و عن بعض أصحابه كعثمان الذي كان يختم القرآن في ركعة , كما أشار بذلك الحافظ بن حجر في الفتح . وكحال السلف عموما في قيامهم في الليل و هناك مؤلفات في ذلك و لا شك .
هذا .. و قد يأتي معارض و يقول , لقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بالأعراف , و هذا دليل على أنه كان يطول صلى الله عليه وسلم ,
فنقول .. هذا صحيح و ثابت أيضا , ولكن هل تترك كل تلك الأحاديث السالفة , و أحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في المغرب , بالطور و المرسلات و غيرها من قصار المفصل كما ثبت عنه أيضا عليه الصلاة و السلام و كما ثبت عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقولون " كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب ثم ننصرف و إن أحدنا ليبصر ماوقع نبله " أي مواقع رميه و هي قد تكون مائة أو مائتي متر مثلا , و في ذلك دليل على المبادرة بالمغرب في أول وقته و فيه أنهم كانوا يفرغون منها مبكرا .
و قد أجيب على حديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالأعراف , أو بطولى الطوليين , كما جاء في البخاري , على أن ذلك دال على الجواز التطويل في الصلاة و ليس على اطراده من النبي صلى الله عليه وسلم و لم يكن يفعله إلا في حال صحته أو في حال كون ذلك لن يشق على المأمومين .
ومن يستدل بذلك فقد أبعد النجعة , لأنك إن بحثت في مسألة وجب أن تبحث في كل ما ورد فيها من أدلة و أن تجمع بينها , حتى تخرج بحكم محايد , قريب للفهم و القبول .
ولكن ما شأن قيام الليل في رمضان ؟ هل يجب أن نقرأ كل يوم بجزء مثلا ؟ ما هي عدد ركعات قيام الليل ؟ نكمل غدا ... إن شاء الله
((قيـــــــام الليـــل))
أما قيام رمضان , أو أي قيام , فكثر فيه القيل و القال , و المسألة على وجه التفصيل كما يلي :
للعلماء في قيام الليل , و رمضان أيضا لأنه قيام كأي قيام , قولان :
الأول : أن المتمسك هنا هو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزد في رمضان و لا غيره عن احدى عشرة ركعة .
الثاني : وهو قول جماهير العلماء أن قيام الليل لا عبرة له بعدد الركعات و إنما العبرة بطول القيام و زمنه , وهذا القول هو الصواب , لما يلي :
أولا : كتاب الله تعالى كل آيات القيام التي وردت فيه إنام التعويل فيها على الزمن و ليس عدد الركعات قال تعالى :
(( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل ..)) أي ساعات الليل .
وقال تعالى :
(( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون )) و هو تعويل على الزمن أيضا .
وقال تعالى :
(( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ..)) و في آخر السورة (( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل و نصفه و ثلثه ..))
كما ترى كلها آيات المعول فيها على الزمن ...
ثانيا : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت فيها سوى الاحدى عشر ركعة فقط التي روتها عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم .
فقد ثبت عنها أيضا أنه عليه الصلاة و السلام صلى بثلاثة عشرة ركعة و ثبت أيضا من حديث لابن عباس و حديث لزيد بن خالد الجهني مثله كلها أحاديث تروي الثلاثة عشر ركعة . فلا عبرة إذا بالعدد هنا , ومما يزيد تأكيد ذلك , أي تأكيد عدم العبرة بالعدد , حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو حديثيه :
الأول : حديث ( صلاة الليل مثنى مثنى ) .
الثاني : حديث وصفه صلى الله عليه وسلم ( أحب القيام إلى الله ) قيام داود فقال عليه الصلاة و السلام ( كان ينام نصف الليل و يقوم ثلثه و ينام سدسه ) .
وكذلك حديث ( من قام مع الامام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) و ليس فيه تحديد عدد الركعات .
أما إن جاء شخص وقال " سألتزم بما ثبت في حديث عائشة الأول و أصلي احدى عشرة ركعة فقط " نقول له حسنا , و قد كان لك في رسول الله أسوة حسنة , خاصة إن كنت ستصلي منفردا لأنك إن التزمت بحديث , و التزمت باتباع النبي , فوجب عليك الاتباع كاملا , لا تنتقص من الحديث شئ , أي وجب عليك الالتزام بالحديث صفة و عددا , أما العدد فأنت ملتزم و لا شك , أما الصفة , فقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم , حديث عائشة و انه كان يسجد مقدار ما يقرأ أحدكم خمسين آية !! فإن كنت ستصلي منفردا و تقدر على ذلك فلا بأس .
أما إن صليت بالناس على هذه الصفة فلا شك أنهم سيهجرونك و يذهبون .
و كما أسلفنا , في الكلمة السابقة أنه حين نناقش مسألة فقهية وجب ألا نأخذ باستدلال واحد و نترك سائر الاستدلالات و و ذلك حتى نخرج بحكم فريب من الأفهام منصف إن شاء الله .
وعلى ذلك فهذا قول جماهير أهل العلم , أن التعويل في القيام في رمضان أو غيره على طول القيام و ليس عدد الركعات , فالليل كله لك أن تصلي فيه, فلم يرد نهي عن النبي في أي ساعة منه أن نصلي منه .
و لذلك قال عدد من أهل العلم . أنه من كان سيطيل القراءة فيقلل عدد الركعات و من كان سيخفف القراءة فيكثر من عدد الركعات , قال شيخ الاسلام بن تيمية :
و الأفضل أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين , فان كان فيهم احتمال لطول القيام فالقيام بعشر ركعات و ثلاث بعدها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى لنفسه في رمضان و غيره . فهو الأفضل , و إن كانوا لا يحتملون فالقيام بعشرين هو الأفضل و هو الذي يعمل به أكثر المسلمين , فإنه وسط بين العشر و الأربعين و ‘ن قام بأربعين و غيرها جاز ذلك , و لا يكره شيء من ذلك , و قد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد و غيره . و من ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزاد فيه و لا ينقص منه فقد أخطأ .ا.هـ كلامه رحمه الله .
و أما أن يصلي بالناس جزء أو أكثر أو أقل , فليس هناك دليل وارد من القرآن أو عن النبي صلى الله عليه وسلم , يفيد أن من يقوم الليل في رمضان قيقرأ جزآ , هذا لم يكن , و إنما العبرة بطول القيام كما أسلفنا , فقارئ بطيء و آخر مسرع , فيختلف الأمر , فقد تزيد الليلة على جزء أو جزءان و قد تقل عن جزء , و الأمر في ذلك واسع و لله الحمد . أما الالتزام بالجزء فلا يعلم في ذلك دليل , و الله تعالى أعلم .
((
((الصوم عبادة خاصة جدا ! ))
َََََو لكن لماذا الصوم هو لله دون سائر الأعمال ...؟
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله : كل عمل بن آدم له إلا الصوم فإته لي و أنا أجزي به " .
قال يعض العلماء أن المراد أن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لا تعلق للجوارح فيها بشئ إنما هي من أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا رب العزة سبحانه و تعالى .
فهي إذا عبادة سر لله رب العالمين لا يعلمها أحد إلا هو و ما سواه من العبادات هو ظاهر للبشر.. يروه.. فهو يقطع دابر الرياء فلا رياء فيه تقريبا .
و قالوا أيضا , ذلك أنه لو أفطر الصائم فإنه لا يظهر ذلك أمام الناس عيانا في الغالب , بل هو يستحي من الأعين و يأكل في السر و يشرب في السر , و لا يطلع عليه أحد سوى الله , فلذلك كان الصوم إنما هو لله عز وجل .
وقال آخرون و هو قول رقراق بديع , قالوا أنت تجد من يشرك بالله أو من يظهر العبادة لغير الله تجده قد يعبده كما كان يعبد الكافرون الأصنام و كما كان يعبد قوم فرعون فرعون , بل و كما يحل الرهبان النصارى ما حرمه الله و يحرمون ما أحله الله على النصرانيين فتلك عبادة لهم بنص حديث رسول فهذه عبادة أيضا .
و تجد من يصلي لغير الله أيضا سواء المشركين أو الكفار تجدهم يبدعون صلوات لأنفسم ليعبدوا بها من أشركوا مع الله , كما كان يفعل كفار مكة بالمكاء و التصدية .
بل و تجد أنهم أيضا ينحرون لمعبوداتهم و يفدمون لهم القرابين و يصرفون لهم المال و يعطون المال لهم , كصدقة مثلا أو ما شابه حتى يرض عنهم معبودهم .
بل و أكثر من ذلك تجدهم يتخذون قبورا و صخورا و مساجد يحجون إليها و يطوفوت بها و لا ينورعون .
كل أنواع العبادات يمكنك أن تراها لغير الله عز و جل ...
إلا الصوم ...
لم نسمع بأحد أبدا ممن ادعى الألوهية أو ممن ظن أن مع الله إلها آخر أو حتى ممن ظن أن خالق الكون هو سوى الله , لم نسمع أبدا أن أحد صام لهؤلاء ...
لم نسمع عن عبادة في أي إلحاد تطلب من معتقديه أن يصوموا ..
لم نسمع إلا في كتب الله عز و جل المنزلة من عنده .
ولذلك تجد بعض المتكبرين على دين الله , و هو يطلق على نفسه أنه مسلم , أنه يستنكر و بشدة أن يصوم وو الله لقد سمعت و قرأت كثيرا عن هؤلاء .. و من أسائذة الجامعة على وجه الخصوص , تجد أحدهم مثلا يمشي بالسيجار في نهار رمضان مفطرا مجاهرا , فيتعجب طلابه منه و من المنظر , و يشك الطلاب في أبصارهم , ولكن ما يرونه صحيح " أستاذهم المحاضر يدخن السجار في نهار رمضان " .
فيسألونه و هم لا يصدقون ما يرونه " يا دكتور إنه رمضان ؟ ألست صائما ؟" فيقول بتعال " لا .. و لماذا أصوم ؟ ماذا يفعل الله بتعذيبي بالجوع و العطش ؟؟ "
إنك يمكن أن تطلق على ذلك أنه كفرا , بلا توقف , أو هو غباء ...؟؟
هذا الرجل قاس مفهوم العبادة من وجهة نظره العملية العقلية البحتة , و حسب أن الله تنفعه عبادة أو تضره معصية , لقد ظن أن العبادة يجب أو من المفترض أنها تفيد الرب جل و علا ...
و نسي أن العبادة طاعة و نسي أن الاسلام استسلام لأوامر الجبار و نسي أن الله أحكم الحاكمين و نسي أن الدنيا لا تساوي عند الله شيئا و نسي أن الله لن يضره كفر الانس و الجن كلهم و كذلك لن ينفعه سبحانه إيمانهم .
نسي أنه عبد , رغم أنفه هو عبد شاء أم أبى , نسي أن الله يحكم ما يريد نسي أن الله يخلق ما يشاء و يختار , نسي كل شيء ...
ولكن حذار من التكفير , فلا يكفر أحد أبدا إلا بعد توضيح العلم و رفع الجهل و نفي الشبهه و أن تقام الحجة عليه , بل و قبل أن تقام الحجة يجب تفهيم الحجة و توضيحها , فحذار .. حذار !!
فهذا , مثل يوضح أن الصوم إنما هي عبادة خاصة برب العالمين , فمن امتثل لأمر الله عز وجل بكل حب و خوف و خضوع و اذعان , ألقى الله في قلبه التقوى و السلامة قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " فهذه هي الغاية .. و الصوم قبل أن نعلل محاسنه و نبرر فرضيته , هو عبادة لله عز و جل , وليست عبادة فحسب , بل.. عبادة سرها في الالتزام بها .. تكسب تقوى الله .. و ما أجمل من تقوى الله .
فالصوم عبادة خاصة جدا !!
((تفسير آيات الصيام .. و بيان ما فيها من أحكام (1) ))
قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خيرا له و أن تصوموا خيرا لكم إن كنتم تعلمون }.
1- (كتب) : أي فرض و المراد بالمكتوب فيه أي اللوح المحفوظ .
2- (الصيام) : هو الكف و الامتناع , كقوله تعالى { إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } أي كففت و امتنعت عن الكلام .
و معنى الصيام في الشرع : هو الامساك عن الطعام و الشراب و الجماع , مع اقتران ذلك بالنية , من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
3- (كما كتب على الذين من قبلكم ) : و الذين من قبلنا هم كل الأنبياء و الرسل و أممهم الذين أنزل إليهم شرائع من الله و ليس اليهود و النصارى فقط !
و لكن . ما المراد بهذا التشبيه ( كما كتب على الذين من قبلكم ) ؟
قولان لأهل العلم :
الأول : أن المراد بذلك هو على الحقيقة أي أن صوم رمضان قد كتب على الذين من قبلنا , و ورد في ذلك حديث عن بن عمر رضي الله عنه و لفظه ( صيام رمضان كتبه الله على قبلكم ) و لكنه ضعيف و له شاهد ( أي حديث من طريق آخر لصحابي آخر ) أخرجه الترمذي و لكنه ضعيف أيضا .
الثاني : وهو قول جمهور أهل العلم , أن المراد هو الصوم عموما دون تخصيص ذلك بوقت , وورد في ذلك أثر عن بن مسعود و معاذ ( و لم يزل الصوم مشروعا من زمن نوح عليه السلام ) .
4- ( لعلكم تتقون ) أي لعلكم تتقون ما نهاكم الله عنه و ما حرم عليكم , فالصيام يكسر نفس الانسان , كما أنه يكسر الشهوات كما في الحديث ( فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) .
قال الحافظ بن حجر " و في ذلك إشارة إلى أن من قبلنا كان فرض عليهم الصوم من قبل الآصار و الأغلال التي كلفوا بها و لكن هذه الأمة فتكليفها بالصوم ليكون سببا لاتقاء المعاصي و حائلا بينها و بينهم , فعلى هذا يكون المفعول المحذوف يقدر بالمعاصي أو بالمنهيات أي ( لعلكم تتقون المعاصي و المنهيات ) .
5- ( أياما معدودات ) أ ي محصيات يعدها العاد أو موقتات بعدد معلوم أو قلائل .
و المراد بها ههنا ( ثلاثة أقوال ) ...
الأول : إن المراد بها شهر رمضان و هي الفسرة بقوله تعالى { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } .
الثاني : أنها ثلاثة أيام من كل شهر , وهذا لا دليل عليه .
الثالث : أن المراد هو يوم عاشوراء , وهذا بعيد لأن عاشوراء هو يوم واحد و لا يقال عليه أيام معدودات .
و إذا قلنا أن المراد بالأيام المعدودات هي التي كتبت على الذين م قبلنا , رجعنا إلى الخلاف السابق لقوله تعالى ( كما كتب على الذين من قبلكم ) فنسأل هل فرض على الذين من قبلنا شهر رمضان , وذلك لا نعلم فيه دليل صحيح , و لكن نحن عندنا الدليل أن ما فرض علينا هو صوم رمضان و هي الأيام المعدودات و لا شك في ذلك و الله أعلم .
" سؤال " هل كان صيام عاشوراء واجب ثم نسخ بصيام رمضان ؟
الجواب : نعم قال بعض أهل العلم بذلك منهم الامام أحمد و هو اختيار البخاري أيضا رحمهم الله و هو صواب و هو ما دلت عليه الأحاديث :
فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فصامه و أمر بصيامه فلما فرض رمضان كان من شاء صام يوم عاشوراء و من شاء أفطر .
أما ما ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال عن يوم عاشوراء ( يا أهل المدينة , أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " هذا يوم عاشوراء و لم يكتب الله عليكم صيامه و أنا صائم فمن شاء فليصم و من شاء فليفطر ) , فهذا محمول على أيام معاوية رضي الله عنه و ليس على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
6- ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) . أي يا أهل الايمان من فرض عليه الصوم منكم و كان مريضا أو مسافرا فلا يصوم في حال المرض و السفر لما في ذلك من المشقة عليه , بل يفطر و يقضي بعد ذلك من أيام أخر .
" سؤال " ما هو حد المرض الذي يلزم المريض الصوم ؟
للمريض ثلاثة أحوال لا يخرج عنهم :
الأول : أن يكون مرضه لا يطيق غيه الصوم بحال , فهذا يفطر وجوبا .
الثاني : أن يكون مريضا مرضا يقدر معه على الصوم بضرر و مشقة , فهذا يستحب له الفطر , قال بعض أهل العلم و لا يصوم في ذلك إلا جاهل .
الثالث : و هو المريض ولا يؤثر الصوم اطلاقا في صحته .
و القول الثاني و الأول , قد , نحتاج فيه إلى قول طبيب مسلم ثقة !
و على ذلك فأهل العلم لهم قولان في ذلك الصدد ,
الأول : وهو قول الجمهور , إذا كان به مرض يؤلمه و يؤذيه و يخاف تماديه أو تزيده صح له أن يفطر ثم يقضي تلك الأيام التي فطرها , أما إن كان مرضه لا يرجى شفائه , فيكون كالشيخ الكبير فلا يقضي, و سيأتي تفصيل ذلك .
و أما من كان الصوم غير جاهده فهو بمعنى الصحيح الذي يطيق الصوم فعليه أداء الفرض .
الثاني : و هو كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة , وقد ورد في ذلك أثر ضعيف عن بن سيرين أخرج الطبري اسناده أن شهاب العطاردي دخل علي محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل فلم يسأله فلما فرغ قال : إنه وجعت اصبعي هذه .
هذا و لم يرد دليل صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حد المريض الذي يفطر , و الله أعلم .
" سؤال " و ما هي المسافة التي إذا سافرها الشخص جاز له أن يفطر فيها ؟
كذلك , لم يرد عن رسول الله أي دليل ذكر فيه قدر المسافة , و إنما مرد ذلك إلى العرف السائد بين أهل البلد , أما ما يقوله بعض أهل العلم من أن هذا الحد هو يوم أو يومين أو ثلاثة , فلا دليل عليه .
و إنما المعوّل هنا على العرف , فإن كان العرف يقدر مثلا بمسافة 100 كيلو متر , اعتبر ذلك سفرا قل ذلك أو كثر , فهناك من يحتاط و يصوم و هناك من يرخص . و الله تعالى أعلم .
" سؤال " أيهم أفضل في السفر الصوم أم الفطر ؟
و ذلك يرجع إلى حال الشخص , فإن كان الشخص سيعوقه الصيام عن فعل الخير و يضعفه أفطر و إن كان لن يعوقه صام فلقد صام النبي صلى الله عليه و سلم في سفره و أفطر أيضا ..
وحاصل ذلك عدة أحاديث رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
منها ما رواه جابر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجل قد ظلل عليه فقال " ما هذا ؟" فقالوا : صائم فقال " ليس من البر الصوم في السفر " .
و منها ما قاله ما رواه أنس رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمنا الصائم و منا المفطر فنزلنا منزلا في يوم حار , أكثرنا ظلا صاحب الكساء و منا من يتق الشمس بيده , قال فسقط الصوام و قام المفطرون فضربوا الأبنية و سقوا الركاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذهب المفطرون اليوم بالأجر " .
ومنها أن النبي رخص لأصحابه عند لقاء العدو الفطر كما جاء ذلك في صحيح مسلم حديث 1120 .
قال بن العربي رحمه الله : من وجد قوة فصام ( أي في السفر ) فذلك حسن , و من وجد ضعفا فأفطر فذلك حسن فأما عند الاقتراب من العدو فلا ينبغي أن يكون في استحباب الفطر اختلاف , قاله بن حبيب و به أقول . ا. هـ .
" تنبيه " و لا يجوز للمسافر أن يبيت النية بالفطر فالمسافر لا يكون مسافرا بالنية , و إنما يكون مسافرا بالعمل و النهوض و كذلك لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج للسفر . و ذلك باتفاق أهل العلم .
"سؤال " متى يقضى الصوم ؟ و هل يجب أن يقضى سردا أى متواليا ؟
لا دليل يحدد أمدا معينا لقضاء الصوم , و لكنه و لا شك يستحب التعجيل بذلك لقوله تعالى { فاستبقوا الخيرات } و قوله عليه الصلاة و السلام { دين الله أحق أن يقضى } .
ومن أهل العلم من حدد تلك المدة بشر شعبان من العام المقبل , و ذلك حديث عائشة رضي الله عنها كان يكون علي الصيام من رمضان فلا أستطيع قضائه إلا في شعبان .
وهذا ليس دليلا لأنه من فعل عائشة رضي الله عنها , وهو ليس بملزم لسائر المسلمين . والله أعلم .
* كذلك لا يلزم أن يوالي بين الأيان التي يقضيها , أي متفرقة , إن شاء إذ لا دليل , و قد روي ذلك عن جماعة من السلف منهم أبو هريرة .
7- { و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له }
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة , نسختها آية { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } .
و لأهل العلم في هذه الآية أقوال أرجحها الأول :
الأول : أن هذه الآية في أول فرض الصيام فكان من شاء صام و من شاء أفطر و أطعم عن كل يوم مسكينا فنسخ ذلك قوله تعالى { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } فأصبح لزاما على المقيم الصحيح أن يصوم , فعلى ذلك ...
يكون معنى الآية : و على الذين يطيقون أي يستطيعون الصوم و لن يصوموا فدية مقدارها إطعام مسكين عن كل يوم أفطروه ثم نسخ ذلك قوله تعالى { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } .
الثاني : أن الآية في الشيخ الكبير و العجوز بصفة عامة ( أي في الذي يطيق الصوم منهم و الذي لا يطيقه ) فكان مرخصا لهم جميعا أن يفطروا , استطاعوا الصوم أم لا , و أن يطعموا عن كل يوم مسكينا , فنسخ آية { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } في ايجاب الصوم على المطيق منهم , فعلى ذلك ...
يكون معنى الآية : و على الذين يطيقون الصيام من الشيوخ الكبار العجز و النساء فدية إن هو أفطر , طعام مسكين عن كل يوم يفطره , ثم نسخ ذلك في حق مستطيع الصوم منهم و ألزم بالصوم قوله تعالى { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } و بقى من لم يستطع الصوم منهم على أصل الآية { و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } و يطيقونه هنا بمعنى : يصومونه بمشقة من الشيوخ الكبار و العجز من النساء .
الثالث : أن الآية الكريمة لم يتطرق إليها النسخ كما قال بذلك بن عباس , و قرأ الآية لذلك هكذا { و على الذين يطوّقونه } أي يكلفن بالصيام و لا يستطيعونه , كما أخرج البخاري ذلك حديث 4505 عن عطاء سمع بن عباس يقرأ { و على الذين يطوّقونه فدية طعام مسكين } قال بن عباس : ليست بمنسوخة : هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة , لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينا .
فهذه الآية كانت بداية نزولها في الشيخ الكبير و العجوز .
ولكن جمهور أهل العلم على أنها منسوخة , و كذك جمع من الصحابة كسلمة بن الأكوع و عبد الله بن عمر و معاذ بن جبل .
" سؤال " ما هو مقدار الطعام الذي يطعم به المسكين ؟
مرد ذلك إلى العرف أيضا , { من أوسط ما تطعمون أهليكم } , فيكون المقدار وجبة واحدة من الطعام الذي يتقوته المفطر و { لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها } . و الله أعلم
{ فمن تطوع خيرا فهو خير له } فالمعنى بعموم الآية , أي إن تطوع باطعام عدد أكبر من المساكين عن اليوم الواحد بدلا من مسكين واحد ..
أو أطعم عدد أكبر من الوجبات لكل مسكين فهذا تطوع خير أيضا .
أو من أطعم و صام أيضا فذلك تطوع خير .
فكل ذلك تطوع خير له ..
" سؤال " هل يجب على الشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم ؟
قولان ..
الأول : أنه يطعم مكان كل يوم مسكينا , و هذا الرأي مبني على تأويل بن عباس المتقدم للآية و على فراءة { يطوّقونه } و مبني أيضا على قول أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يطعم ثلاثين مسكينا مقابل افطار شهر رمضان .
الثاني : أنه لا شيء عليه , لأنه لا دليل على إلزامه بشيء فالآية منسوخة و حكمها انتهى , أما فعل أنس رضي الله عنه فليس بمرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم و ليس بملزم لنا كالكتاب و السنة .
" سؤال " هل يجوز للحامل و المرضع أن تفطرا إن خشيتا على أنفسهما أو على الجنين ؟
و الجواب , نعم يجوز لهما ذلك ..
و الدليل على ذلك , حديث " إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة و عن المسافر و الحامل و المرضع الصوم " .
" سؤال " إذا أفطرت الحامل و المرضع ماذا عليهما و كيف تصنعان ؟
أقوال أربعة أحسنها آخرها ...
الأول : أنهما تفطران و تطعمان و تقضيان , قاله أحمد و الشافعي و مالك و سفيان , ولا مستند لهم على ذلك .
الثاني : تفطران و تطعمان و لا قضاء عليهما , و إن شائتا قضتا و لا إطعام , وبه يقول إسحاق , و أخذ ذلك القول من أن آية { و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } و لكن الراجح من أقوال أهل العلم أنها منسوخة .
الثالث : أنهما تفطران و تقضيان و لا تطعمان قاله الأوزاعي و الثوري و أصحاب الرأي و قاسوا هنا الحامل و المرضع على المسافر .
الرابع : و الأخير أهما تفطران و لا تقضيان ولا تطعمان , و من هؤلاء بن حزم رحمه الله و من أدلة هؤلاء :
أنه لم يأت نص ملزم للحامل و المرضع بشيء فذمتها إذا بريئة , و أيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله وضع عن المسافر و الحامل و المرضع الصيام و شطر الصلاة " فدل ذلك على أن المرضع و الحامل و المسافر وضع عنهم الصيام ,
فإن قيل نقيس الحامل و المرضع على المسافر في أنه يقضي الصوم فتقضيان , يقال أن المسافر قد ألزم بذلك بنص الآية خارج الحديث { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } قيل , أن ذلك في شأن المسافر , أما الحامل و المرضع فما الملزم لهما ؟
ثم إننا قد بينا أن الآية التي استدل بها من قال بالإطعام منسوخة , وهو قول جمهور أهل العلم و قراءة { سطوّقونه } هي قراءة شاذة .
و كما أن المسافر لا يؤمر باعادة الركعات التي قصرها حين يرجع , فلم لا يقال كذلك للحامل و المرضع إذا أفطرتا أنه لا يلزمهما قضاء ما فعلتاه من إفطار . و الله تعالى أعلم .
8- { و أن تصوموا خيرا لكم } أي أن الصيام خير لكم من الفطر و الإطعام , فإن كان مباحا لكم الافطار مع القدرة على الصوم و ذلك بالاطعام , فالصوم خير لكم من الافطار و الاطعام .
و من العلماء من قال : و صيامكم خير لكم من الفطر في السفر و المرض غير الشاق . و الله تعالى أعلم .
((تفسير آيات الصيام .. و بيان ما اشتملت عليه من أحكام ! ))
{ شهر رمضان الذي أنزل في القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه , ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون }
*{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } هذا مدح من الله تعالى لشهر رمضان الذي اختاره من بين سائر الشهور لإنزال القرآن العظيم .
" سؤال " هل صح أن الكتب السماوية الأخرى نزلت في شهر رمضان ؟
ورد في ذلك حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه مرفوعا و قد أخرجه أحمد و الطبري و الطبراني في الكبير و أبو يعلى و غيرهم من طرق كلها ضعيفة واهية فالحديث لا يصح ,
و تمام الحديث " أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان و أنزلت التوراة لست مضين و الانجيل لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان و أنزل القرآن لأربع و عشرين خلت من رمضان " .
" سؤال " هل يكره للشخص أن يقول رمضان فقط ؟ أي هل لا بد أن أقول شهر رمضان و لا أقول رمضان ؟
من أهل العلم من قال بذلك و استدلوا بحديث ضعيف عن أبي هريرة قال : لا تقولوا رمضان فإن رمضان إسم من أسماء الله تعالى و لكن قولوا شهر رمضان .
و الحديث ضعيف و أكثر أهل العلم على خلاف ذلك ...
فالأدلة كلها خلاف ذلك و ترد على ما ذهبوا إليه , مثل ما أخرجه البخاري و غيره من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة " و حديث " من صام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ".. و الأحاديث في ذلك كثيرة .
قال بن العربي في أحكام القرأن ( و الصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح و غيرها ) .
" سؤال " يقول تعالى { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } و يقول تعالى أيضا { و قال الذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك و رتلناه ترتيلا } , فكيف نزل القرآن في رمضان كله , و كيف نزل متفرقا على رسول الله على مدى الشهور و السنين و أنه نزل في مكة و المدينة ؟
و الجواب عن ذلك , كما أجاب جمهورأهل العلم من القرآن نزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في شهر رمضان كما قال تعالى { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ثم نزل مفرقا على رسول الله بعد ذلك على حسب الوقائع , و قد صح ذلك القول عن بن عباس رضي الله عنهما .
*{ هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان } قال الحافظ بن كثير رحمه الله ( هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به و صدقه و اتبعه { و بينات } أي دلائل و حجج بينة واضحة جلية لمن فهمها و تدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال و الرشد المخالف للغي و مفرقا بين الحق و الباطل و الحلال و الحرام ) ا.هـ.
* { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } هذه الآية هي الناسخة لقوله تعالى { و على الذين يطيقونه فدية ..} كما قدمنا , و مفاد الآية هنا هو إيجاب الصوم على كل من شهد استهلال الشهر أو كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان و هو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة .
" سؤال " لبعض السلف تفسير شاذ لهذ الآية { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ما هو ؟ و ما هو الصواب إذا لذلك ؟
هذا التفسير قد ورد عن بعض السلف و حاصله : إن المراد بشهود الشهر هو أن يكون الشخص مقيم في داره وقت دخول رمضان , قالوا : فمن دخل عليه شهر رمضان و هو مقيم في داره فعليه صوم الشهر كله سواء حضر بعض الشهر ثم سافر أم بقى طيلة الشهر في بلده .
أي يصوم لو كان في بلده و إن سافر يصوم أيضا و لا يجوز له الفطر لأنه شهد دخول الشهر !!!
وهذا تفسير شاذ و بعيد عن الصواب , بل الصواب أن يصوم في السفر أو يفطر على قدر استطاعته , كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام في السفر و أفطر.
و قد بينا تفصيل ذلك عند الكلام على الآية التي قبلها { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ...} الآية .
أما حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " هو ليس من كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو من كلام عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه . و الحديث فيه ضعف أيضا .
*{ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } تقدم الكلام عليها في الآيات قبلها .
* { يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر و لتكملوا العدة } و المعنى أن الله رخص لكم في الفطر حين المرض و السفر تيسيرا عليكم و لارادته بكم اليسر و إنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم , و لا يريد بكم الشدة و المشقة عليكم فيكلفكم صوم الشهر في هذه الأحوال مع علمه شدة ذلك عليكم و ثقل حمله عليكم لو حملكم صومه .
* { و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون }
{ و لتكبروا الله على ما هداكم } أي و لتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم , و هذا مشروع لنا في ديننا أنه حين نقضي العبادة شرع لنا الذكر , كما قال تعالى :
{ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا }
و قال تعالى :
{ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض و ابتغوا من فضل الله و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون }
و قال تعالى :
{ و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون }
و قال بن عباس رضي الله عنهما : كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير , و في رواية : إن رفع الصوت بالذكر عند الانتهاء من المكتوبة ( أي احدى الصلوات الخمس ) كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
و معنى الآية { و لتكبروا الله على ما هداكم } قال الطبري رحمه الله : أي و لتعظموا الله بالذكر له بما أنعم عليكم به من الهداية التي خذل عنها غيركم من أهل الملل الذين كتب عليهم من صوم شهر رمضان مثل الذي كتب عليكم فيه .
فضلوا عنه باضلال الله إياهم و خصكم بكرامته فهداكم له ووفقكم لآداء ما كتب عليكم من صومه و تشكروه على ذلك بالعبادة .
" سؤال " ما هو الدليل على مشروعية التكبير في عيد الفطر ؟
الدليل هو قوله تعالى { و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم } .
و كان بن عباس يقول ( حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم , لأن الله تعالى يقول { و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم } .
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ينبغي لهم إذا غدوا إلى المصلى كبروا , فإذا جلسوا كبروا , فإذا جاء الإمام صمتوا , فإذا كبرالإمام كبروا , و لا يكبرون إذا جاء الامام إلا بتكبيره , حتى إذا فرغت و انقضت الصلاة فقد انقضى العيد ., و الجماعة عندنا على أن يغدوا بالتكبير إلى المصلى .ا.هـ.
و حكم التكبير في عيد الفطر إنما هو على الاستحباب كما ذهب حمهور أهل العلم إلى ذلك , و ليس هو على الايجاب كما ذهبت الظاهرية و لا على أنه لا يشرع مطلقا كما ذهب أو حنيفة رحمه الله .
* { و لعلكم تشكرون } أي إذا قمتم إلى ما أمركم الله به من طاعته بأداء فرائضه و ترك محارمه و حفظ حدوده فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك .
و قال بعض أهل العلم , أن { لعل } هنا بمعنى ( كي) و لذلك عطف به على قوله { و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون } .
تفسير آيات الصيام و بيان ما فيها من أحكام !
{ و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } .
{ و إذا سألك عبادي عني فإني قريب } أي و إذا سألك يا محمد عبادي أين أنا ؟ أقريب أم بعيد ؟ فإني قريب منهم أسمع دعاءهم و أجيب دعوة الداعي منهم .
{ أجيب دعوة الداع إذا دعان } أي لا يخيب دعاء داع و لا يشغله عنه شيء بل هو سميع الدعاء ففيه ترغيب في الدعاء و أنه لا يضيع لديه تعالى .
" سؤال " ما تفسير أن بعض الناس يدعو الله عز وجل فلا يسجيب له في الظاهر , و أن الله عز وجل يقول { أجيب دعوة الداع إذا دعان } ؟
هناك أقوال كثيرة لأهل العلم في هذا الباب , أكثر من ستة أقوال , نكتفي منها بثلاث :
الأول : أن الدعاء يستجاب و لكننا لا نعرف الصورة التي أستجيب بها , فقد تكون صورة الاستجابة في صرف سوء عن الداعي أو قد تكون أدخرت له لآخرته .
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم و لا قطيعة رحم إلا أعطاها الله بها إحدى ثلاث خصال : إما أن يعجل له دعوته و إما أن يدخر له في الآخرة و إما أن يصرف عنه من السوء مثلها " .
الثاني : قال بعض أهل العلم : إن الداعي قد يعتقد المصلحة في إجابته إلى ما سأل و قد لا تكون المصلحة في ذلك فيجاب إلى مقصوده الأصلي و هو طلب المصلحة , وقد تكون المصلحة في التأخير أو المنع .
الثالث : أن بعض أهل العلم قالوا أن { أجيب دعوة الداع } هنا بمعنى أسمع دعوته , و ذلك كقولنا في الصلاة : يمع الله لمن حمده أي أجاب الله .
قالوا : فبين السمع و الاجابة نوع من الملازمة فلهذا السبب يقام كل واحد منهم مقام الآخر . و الله أعلم !
و هناك قول آخر , أن الآية مقيدة بطاعة الله و إجابته , فمن أطاع الله و أجابه استجاب الله لدعائه و من تولّى فالله اغني , لأن الله تعالى يقول { إنما يتقبل الله من المتقين }
{ فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي } فليستجيبوا لي , أي فليطيعوتي و يجيبوني و ليؤمنوا بي أي فليصدقوني أنهم إذا أطاعوني أثبتهم على طاعتهم لي .
فكأن الله تعالى يقول : أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقا , فكن أنت أيضا مجيبا لدعائي مع أنك محتاج إلي من كل الوجوه .
{ لعلهم يرشدون } أي لعلهم يهتدون .
" سؤال " هل هناك علاقة بين هذه الآية و الآيات قبلها و بعدها ؟
فالجواب نعم , ففي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة و عند كل فطر , فهي من تمام الآية الأولى لأنه لما حث على تكبيره و شكره على ما قيضه لهم من تمام الصوم بين أن الذي يذكرونه و يشكرونه قريب منهم و مجيب لهم إذا دعوه .
(زكاة الفطر ! )
اسمحوا لي أن أبين لسيادتكم بعض النقاط التي قد تخفى عليكم و ذلك لأن الكثير منا , بقصد أو بدون قصد , قد يعمد إلى أقوال الفقهاء و ينظر إلى أيها يناسب الموقف و قد ينسى أن الله عز وجل هو علّام الغيوب و أنه عز و جل ما يخفى عليه شيء , سبحانه , و إنما كل شيء خلقه الله بقدر ...
فالله تعالى هو الحكيم الخبير , و شرعه أكمل شرع و هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلك أكمل هدي .. صحيح ؟
لذلك فنحن عندما نقف أمام مسألة فقهية مثلا أو حكم , قد يبدو الظاهر منه عدم الملائمة بينه و بين الظرف الحالي , و جب قبل إعمال عقولنا أن نعمل قلوبنا ... أقصد الإيمان بما أقره الشارع الحكيم ,
خاصة و أن الله عز وجل لم يجعل لنا نقصا في أحكام الدين و الدنيا , و إن كان ثم اجتهاد فهو من منطلق الفهم العميق للقرآن و السنة .. و قبل أن نتحول إلى كلام الفقهاء و الأئمة , مع الاحتفاظ بكامل التقدير و العرفان لهم , وجب علينا أولا التدقيق في النصوص التي بين أيدينا جيدا .. ثم ننظر أي إلى الحكم أين يذهب ,
و مسألة اخراج زكاة الفطر ( كقيمة ) مسألة ليست بالجديدة , و هي مسألة من أخذ بها فقد أخذ بكلام الإمام أو حنيفة فقط رحمه الله ..
أما مذهب الإمام أحمد , فليس كذلك و إنما هو فصّل فيه , ليس على إطلاقه , فجوزه في أحوال و منعه في أخر منها زكاة الفطر , و كذلك اختيار شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله كذلك مثل الإمام أحمد .
فليس مجوز على الإطلاق سوى أبو حنيفة , و هو مخالف لجماهير العلماء ,
و أذنوا لي أن أنقل ما كتبه بن قدامة في ذلك الباب , لأنه لخص المسألة تلخيصا جيدا و رد عليها بعمق , قال رحمه الله :
قال أبو داود , قيل لأحمد ( أي الامام) و أنا أسمع : أعطي دراهم _ يعني صدقة الفطر _ قال : أخاف أن لا يجزئه خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , و قال أبو طالب : قال لي أحمد لا يعطي قيمته , قيل له : قوم يقولون عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة , قال : يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم , و يقولون قال فلان ؟ قال بن عمر " فرض رسول الله " ( يشير رحمه الله إلى حديث بن عمر " فرض رسول الله صدقة الفطر صاعا .. الحديث " ) و قال الله تعالى { أطيعوا الله و أطيعوا الرسول } .
و قال : قوم يردون السنن و يقولون , قال فلان .. قال فلان .
و ظاهر مذهبه أنه لا يجوز إخراج القيمة من الزكوات و به قال مالك و الثوري و الشافعي .. و أبو حنيفة (قال) : يجوز .
ثم قال رحمه الله بن قدامة : و لأن الزكاة و جبت لدفع حاجة الفقير و شكرا لنعمة المال , و الحاجات متنوعة , فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته , و تحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به .
و لأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص , فلم يجزئه , كما لو أخرج الرديء مكان الجيد . ا. هـ .
أما , ما استدل به المجوزون فمن أدلتهم :
1- حديث معاذ لما بعثه رسول الله إلى اليمن فقال فيه لأهل اليمن " ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم فإنه أيسر عليكم و أنفع للمهاجرين بالمدينة " و كان يقصد ( خير من الذرة و الشعير ) في بعض الروايات .
و هذا أجيب عليه بأن النبي قد أمره بأخذ الصدقة من أغنيائهم و توزيعها في فقرائهم , و هنا هو قال " فإنه أنفع للمهاجرين بالمدينة " .. أي أن هذه غير صدقة الطعام التي أخذها منهم فعلا من أغنيائهم إلى فقرائهم و ذلك إنما خو اجتهاد منه ررضي الله عنه , و لا يصلح كمتمسك .
2- استدلوا أن هذا من فعل عمر بن الخطاب و عمر بن عبد العزيز و الحسن , و أجيب عن ذلك أن هذا لا يعدل إليه , من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقوله أولى عليه الصلاة و السلام بالاتباع من غيره .
.. ثم إنه يا أخي , زكاة الفطر لا تقتصر على الزبيب و التمر و القمح , و لكن هي أي شيء مما يعتبر قوتا لأهل البلد , فلماذا لا يخرج لحما أو أسماك , لماذا؟
و هي من الأشياء التي لا يأكلها الفقير غالبا إلا قليلا , و إن فتشت لوجدت أشياء أخر !
أما عن المال ..
فله فقهه و زكاته و له صدقته التطوعية , فإن شئت أن تساعد أحدا بمال فساعد ,, لا بأس و لكن اجعلها صدقتك التطوعية و ليست الفطرية ( إن صح التعبير ) .
و أنا لا أدري لماذا يبحث الناس في صدقة الفطر أن تخرج مالا , و يقولون أنه أنفع للفقير ؟
و الفقير يحتاج المال في كل وقت , لماذا هذا الوقت بالذات ؟
يا أخي .. إنا لن نهدم فرض كامل و قد فرضه الله علينا بصفة معينة , حتى تندثر.. لنعدل إلى شيء نخرجه , كل يوم من جيوبنا للفقير و غيره .
و لا مانع , أن نعطي زكاة فطرنا .. و نتصدق بأموالنا , ولكل نيته , فهذا بنية زكاة الفطر و هذا بنية صدقة المال , هل هناك مانع ؟
أما , أخراجها قبل العيد بيوم أو بيومين , فهذا جائز , كما ثبت عن بن عمر في البخاري أنه فعل صحابة رسول الله .
أما أن يكون إخراجها من أول رمضان , فلا دليل عليه و قول بن عمر يشبه الإجماع , و هي زكاة مرتبطة بتسميتها فوجب إخراجها في وقتها لتلازمهما معا , و إن قال بغير ذلك بعض العلماء , فلا نعلم له دليلا صريحا في ذلك , و الله أعلم !
و صلى اللهم و سلم و بارك على سيدنا محمد و الحمد لله رب العالمين ...